الاثنين، 4 نوفمبر 2013

قرياقوس أسقف البهنسا

قرياقوس أسقف البهنسا
مظالم السلطان الأشرف برسباي كانت مصر سنة 1420م تحت حكم السلطان الأشرف برسباي وكانت الضيقات والآلام على أشدها، لأنه حتى الذين جحدوا فاديهم جريًا وراء المناصب العليا وحب المال لم يكن جحودهم واقيًا لهم من غضب السلطان. ومقابل الظلم والجحود برز بعض الآباء الساهرين الذين جاهدوا إلى جانب البابا، في سبيل تقوية العزائم والصمود في وجه الضيقات. رعايته وكتاباته أبرز هؤلاء الآباء الأنبا قرياقوس أسقف البهنسا الذي لم يكتفِ بافتقاد شعبه ووعظه وتوجيهه، بل وضع الميامر العديدة في قيامة رب المجد وفي لجوء العائلة المقدسة إلى مصر، وفي مديح السيدة العذراء، وفي مديح الشهيد بقطر الذي كان من مدينته. السنكسار الأمين، 5 طوبة.

جاورجي القديس

جاورجي القديس
القديس جاورجي رفيق القديس ابرآم ولد هذا القديس من والدين مسيحيين قديسين وكان يرعى غنم أبيه. ومال قلبه إلى الرهبنة فترك رعاية الغنم وكان عمره وقتئذ أربع عشر سنة. وقصد برية القديس مقاريوس وحدث وهو سائر في الطريق أن تراءى له الشيطان في زي شيخ وقال له: إن أباك ظن أن وحشا ضاريا قد افترسك فشق ثيابه حزنا عليك والواجب أن تعود إليه لتطيب قلبه أولا ثم تعود إلى البرية. فدهش القديس لذلك وفكر في نفسه وقال: إن الكتاب المقدس يقول "من أحب أبًا أو أُمًا أكثر مني فلا يستحقني". فلما قال هذا صار الشيطان مثل الدخان وتوارى من أمامه. وللوقت ظهر له ملاك الرب في زي راهب وأرشده إلى دير الأنبا أوريون. فأقام فيه تحت إرشاد أحد الرهبان القديسين مدة عشر سنوات لم يذق طعاما مطبوخا ولا فاكهة. ثم رأى أن ينفرد في البرية الداخلية فذهب إلى دير القديسين مكسيموس ودوماديوس باسقيط مقاريوس. واتفق أن حضر في نفس الوقت إلى هذا الدير القديس ابرآم. فذهبا معا إلى دير القديس مقاريوس واجتمعا بالقديس يوأنس قمص شيهيت فأسكنهما في قلاية قريبة منه تُعرف بقلاية بجيج وفيها تنيح الأنبا ابرآم ثم تنيح بعده الأنبا جاورجي وكانت جملة حياته اثنين وسبعين سنة. وقد وردت سيرته وسيرة القديس ابرآم في هذه السلسلة تحت "ابرآم وجاورجي". السنكسار، 18 بشنس.

خائيل الأول البابا السادس والأربعون

خائيل الأول البابا السادس والأربعون
سيامته بطريركًا كان هذا الأب راهبًا بدير القديس مقاريوس وكان عالمًا زاهدًا. فلما تنيح سلفه البابا ثاؤذوروس الخامس والأربعون اجتمع أساقفة الوجه البحري وكهنة الإسكندرية في كنيسة الأنبا شنودة بمصر، وادعوا بأن لهم وحدهم حق الانتخاب بينما قام فريق آخر يدعي خلاف ذلك. وحصل خلاف بينهم على من يصلح للبابوية. وأخيرًا استدعوا الأنبا موسى أسقف أوسيم والأنبا بطرس أسقف مريوط. ولما حضرا وجد الأنبا بطرس تعنتًا من كهنة الإسكندرية، فزجرهم على ذلك وصرف الجمع هذه الليلة حتى تهدأ الخواطر. ولما اجتمعوا في الغد ذُكر اسم القس خائيل بدير القديس مقاريوس، فارتاحوا إلى اختياره بالإجماع، وحصلوا على كتاب من والي مصر إلى شيوخ برية شيهيت (وادي النطرون). ولما وصلوا إلى الجيزة وجدوا القس خائيل قادمًا مع بعض الشيوخ لمقابلة الأمير حفصا لكي يعفيهم من الضرائب، فامسكوه وقيدوه وساروا به إلى الإسكندرية، ورسموه بطريركًا في 17 توت سنة 460ش (14 سبتمبر سنة 743م). وحدث أن امتنع المطر عن الإسكندرية مدة سنتين، ففي هذا اليوم سقطت أمطار غزيرة لمدة ثلاثة أيام فاستبشر السكندريون من ذلك خيرًا. دَعى نفسه " خائيل" أي "الأخير"، ولم يرضَ أن يُدعَ ميخائيل تواضعًا منه حتى لا يكون اسمه كاسم رئيس الملائكة. شدائده في عهد خلافة مروان آخر خلفاء الدولة الأموية وولاية حفص بن الوليد جرت على المؤمنين في أيام هذا الأب شدائد عظيمة وهاجر البلاد المصرية عدد كبير من المؤمنين، كما بلغ عدد الذين أنكروا المسيح أربعة وعشرون ألفًا، وكان البطريرك من جراء ذلك في حزنٍ عظيمٍٍ جدًا إلى أن أهلك الله من كان سبب ذلك. بسبب شدة الضيق هرب بعض الأساقفة إلى الأديرة، فعقد البابا مجمعًا قرر فيه ضرورة استمرار الأساقفة في ايبارشياتهم، وحرم من يتجاوز هذا الحكم. خلاف مع الملكيين (البطريرك التابع لبيزنطة) بعد سيامته بمدة وجيزة تقرب قوم من الملكيين (الروم) عند الخليفة مروان، ودفعوا له مالاً وحثوه على إصدار أمر إلى عبد الملك بن موسى بمصر لكي يسلمهم دير القديس مارمينا بمريوط، وكانت في يد الأقباط الأرثوذكس. فلما عادوا إلى مصر سلموا الأمر إلى عبد الملك، فعقد مجلسًا تحت رئاسة قاضٍ يدعى عيسى للنظر في ملكية الدير، ودعا الفريقين لكي يدافع كل منهما عن حقه. فجمع البابا أشهر أساقفته وعلماء كنيسته وعرض عليهم صورة أمر الخليفة وكلفهم بالحضور في مجلس القضاء. لكن الملكيين رشوا القاضي، فكان يماطل ولا يستمع إلى الأقباط الأرثوذكس. وبينما كان يستعد لكتابة تقريره في صالح الملكيين عُزل من منصبه وتعين قاضٍ آخر يُدعى أبو الحسيني، وكان عادلاً لا يحابي الوجوه فقدم الحقيقة إلى عبد الملك واستمر الدير في حوزة الأقباط. بين ملك النوبة وأسقفها في دنقلة بالنوبة حدث خلاف بين قرياقوص الملك والأنبا إبراهيم أسقفها، وذلك لأن الأسقف حاول ردع الملك عن تصرفاته الشريرة. اغتاظ الملك وطلب من البابا السكندري قطع الأسقف وإلا يدفع بالشعب إلى عبادة الأوثان. خشي البابا من ضياع شعب النوبة كله فاستدعى الأسقف وعقد مجمعًا لدراسة الموقف. فرأى الكل أن يبقى الأسقف بالإسكندرية ويبعثون بأسقفٍ آخر للنوبة حتى يهدأ الملك. شعر الأسقف إبراهيم بأن الحكم فيه ظلم فترك الإسكندرية وذهب إلى أحد الأديرة بالنوبة حتى نهاية حياته هنا. قرياقوس ملك النوبة لاقى هذا الأب البطريرك مصائب شديدة من عبد الملك بن مروان، كالضرب والحبس والتكبيل بالحديد. فقد وضع رجليه في خشبة عظيمة وطوق رقبته بطوق حديد ثقيل، وكان معه أنبا موسى أسقف أوسيم وتادرس أسقف مصر وغيرهما، فوضعوهم في خزانة مظلمة نُقرت في صخر لا تصل إلها أشعة الشمس، واستمروا في هذا الضيق من 11 توت إلى 12 بابه، وكان أيضًا معهم ثلاثمائة من الرجال والنساء. في وسط هذا الضيق كان المرضى يأتون إلى البابا في السجن يصلي من أجلهم وينالون نعمة الشفاء. كما اهتم البابا بالمسجونين، فتاب كثيرون ورجعوا إلى الرب. أطلق الوالي سراحه فمضى إلى الصعيد وعاد بما جمعه إلى الوالي بالرغم من الظروف المالية الصعبة التي اجتازها المصريون بسبب الضرائب الفادحة، وكان البابا يعبر بينهم كملاك الرب، يشفي مرضاهم خلال نعمة الله الفائقة. فأخذه منه ثم ألقاه في السجن. فلما علم بذلك قرياقوس ملك النوبة استشاط غضبًا وجهز نحو مائة ألف جندي وسار إلى القطر المصري واجتاز الصعيد قاتلاً كل من صادفه من المسلمين حتى بلغ مصر، فعسكر حول الفسطاط مهددًا المدينة بالدمار. فلما نظر الوالي عبد الملك جيوش قرياقوس منتشرة كالجراد جزع خوفًا وأطلق سبيل البطريرك بالإكرام والتجأ إليه أن يتوسط في أمر الصلح بينه وبين ملك النوبة، فلبى دعواه وخرج بلفيف من الإكليروس والتقى بالملك، وطلب منه أن يقبل الصلح مع عبد الملك، فقبل وانصرف من حيث أتى. أكرم عبد الملك المسيحيين ورفع عنهم الأثقال وزاد في اعتبارهم. شفاء ابنة الوالي عبد الملك صلى البطريرك على ابنة الوالي وكانت تعاني من روح نجس وخرج منها الروح بصلاته. مناظرات بينه وبين قزما بطريرك الملكيين عن الاتحاد حدثت مناظرات بين هذا الأب وقزما بطريرك الملكيين عن الاتحاد، فكتب إليه الأب خائيل رسالة وقع عليها مع أساقفته قائلاً: "إنه لا يجوز أن يُقال إن في المسيح طبيعتين مفترقتين بعد الاتحاد ولا اثنين ولا شخصين". واقتنع قزما بذلك ورضى أن يصير أسقفًا على مصر تحت رئاسة الأب خائيل. تجديد الاضطهاد لم تستمر فترة الراحة طويلاً إذ حضر مروان إلى مصر ونكث هو وعبد الملك عهدهما مع الأقباط، وأخذا في اضطهادهم بقسوة بربرية. اضطر الأقباط إلى الثورة حتى هزموا جيش مروان، لكن مروان استجمع قواته وقاتلهم بشدة وقبض على البابا السكندري وبطريرك الروم، فدفع الأخير ألف قطعة ذهب بينما لم يكن لدى البابا ذات المبلغ. ثقل رجليه بقطعة من الحديد وألقاه في السجن وابتدأ يعذبه تسعة أيام ثم أحضره وجذبه بيده وطرحه وصار يضربه بقضيب في يده مائتين مرة ثم أمر الوالي بضرب عنقه، لكنه عدل عن ذلك. طلب منه أن ينصح البشامرة الثائرين من الأقباط بالتوقف عن مقاتلته، لكن البشامرة ثاروا بالأكثر. في سنة 751م دخل أبو العباس مصر بجيش زاخر للاستيلاء على الحكم من يد مروان، وكان الأقباط في ضيق شديد فانحازوا إليه وطلبوا مساعدته. عسكر أبو العباس على شاطئ النيل في البر الشرقي تجاه مروان الذي كان مازال قابضًا على البابا وبعض الأساقفة. وأمر الجند أن يهينوا البابا من الجانب الآخر للنيل وينتفون شعر لحيته كما قاموا بتعذيب الأنبا موسى أمام الأقباط. في اليوم التالي أحضر البابا ومعه الأساقفة ومجموعة من الشعب وتركهم في الشمس عشرة ساعات ثم بدأ في تعذيبهم بقسوة شديدة، حتى كان الأقباط ومعهم المسلمون في البر الشرقي يبكون بمرارة. وكان البابا يصلي ويثبّت المؤمنين. لم يحتمل عبد الله بين مروان المنظر، فسكب دموعًا كثيرة أمام أبيه لكي يطلق سراحهم، قائلاً له بأنه لن يقدر على مقاومة الخراسانيين وسيضطر إلى الذهاب إلى السودان، هناك أولاد هذا البطريرك لن يقبلوه. تطلع مروان إلى جيش الخراسانيين فانزعج جدًا واضطر إلى إعادة البابا ومن معه إلى المعتقل بالجيزة، وأدخلهم موثقين في أربعة سجون في ضيقٍ شديدٍ حتى أشرفوا على الموت، لكن البابا كان يعزيهم. عبر الخراسانيون إلى الضفة الغربية وهزموا مروان، فهرب بينما ذهب ابنه ليحرق السجن الذي فيه البابا، لكن ما أن أشعل النار حتى أكرهه الأعداء على الهروب. أطفأوا النيران وأطلقوا المسجونين وجاءوا بهم إلى كنيسة مارمرقس بالجيزة. شدة جديدة إذ استولى أبو العباس على مصر أحسن معاملته مع المسيحيين، غير أن هذه الراحة لم تدم سوى أربع سنوات مرت كالحلم. وبسفر أبو العباس وترك الولاية لآخرين أساءوا التصرف، وصاروا يضايقون الأقباط من جديد. حاول البابا أن يذكرهم بما أظهره أبو العباس من آمان لهم لكنه لم ينجح، واستمر المسيحيون في مرارة حتى شوهدت مياه النيل ناقصة عن منسوبها المعتاد ذراعين. رفع منسوب مياه النيل أقام الأساقفة مع البابا صلوات عيد الصليب وتقدموا مع جميع كهنة الجيزة وأهل الفسطاط وحملوا الأناجيل والمباخر ودخلوا كنيسة مار مرقس واكتظت الحقول والحدائق حولها بالشعب. تقدم البابا ورفع الصليب وصلى الكل، وكان الشعب يصرخ: "يا رب ارحم" لمدة ثلاث ساعات، فزاد النيل ذراعًا. سمع الوالي بذلك فأرسل علماء المسلمين وحاخامات اليهود وصلوا فلم يرتفع مقياس النيل. اضطر أن يدعوا النصارى للصلاة، حيث أقام البابا الأسرار الإلهية وألقوا بمياه غسل الأواني في النهر في الساعة السادسة من النهار، فزادت المياه حتى بلغت ثلاثة أذرع، فأحب الوالي أبوعون الأقباط. خلاف مع كنيسة إنطاكية كانت زوجة المنصور أبي جعقر عاقرًا فسمعت عن تقوى اسحق أسقف حاران وعمله العجائب فاستدعته وصلى من أجلها فوهبها الله طفلاً، فصار الأسقف اسحق موضوع الإكرام والتبجيل. وإذ تنيح يوحنا بطريرك إنطاكية سأل الأنبا اسحق الوالي أن يخلفه فأجابه طلبه حالاً وهدد من يعترض ذلك. قيل أنه تسبب في قتل مطرانين رفضا أن لا يترك الأسقف ايبارشيته ليصير بطريركًا. بناء على طلب الأنبا اسحق كلف الخليفة والي مصر أن يحقق طلبات البطريرك الأنطاكي الجديد، كما بعث البطريرك رسالة إلى البابا خائيل في صحبة مطراني دمشق وحمص وكاهنين. عقد البابا مجمعًا لمدة شهر وقرروا ألا يشترك البابا مع بطريرك أخذ رتبته بقوة السلطان. وكان أمام البابا أحد اختيارين، إما مصادقة البطريرك اسحق أو الذهاب لمقابلة الخليفة. وإذ كان البابا يستعد للسفر وهو شيخ، متحملاً مشقة الطريق إذا بخبر انتقال اسحق من العالم قد حلّ المشكلة. كانت أيامه الأخيرة في سلام بعد أن أقام على الكرسي ثلاثة وعشرين عامًا، إذ تنيح في 16 برمهات سنة 468 ش (767م). القس منسى يوحنا: تاريخ الكنيسة القبطية، الجيل الثامن.


راغب ساويرس الأرشيدياكون

راغب ساويرس الأرشيدياكون
نشأته وُلد في 15 أغسطس سنة 1902م من أبوين متواضعين ولكنهما ممتلئان نعمة ومحبة وتعلقًا بالكنيسة. كانت ساقه اليمنى أقصر من اليسرى وأقل مقدرة على الحركة منذ ولادته، فاضطر إلى أن يتوكّأ على عكازين طويلين. ولما كان هو الولد الوحيد فقد كان أبوه يصحبه دائمًا إلى الكنائس وإلى الاجتماعات الروحية، ويكشف له في سيرهما معًا عن اشتياقه أن يراه خادمًا للفادي الحبيب، عاملاً في كرمه. منذ الثامنة من عمره أخذ يتعلم الألحان الكنسية، وقد حفظ راغب الألحان والمردات بسرعة إذ كان قلبه منفتحًا للنعمة الإلهية. ولما بلغ الخامسة عشر من عمره أدخله أبواه مدرسة العرفاء، فذهب إليها فَرِحًا على الرغم من مشقة الطريق ما بين مصر القديمة حيث كان يسكن ومهمشة التي تقع المدرسة فيها. وإذ كان سليم العينين جعل من نفسه العين لرفقائه المكفوفين، فكان يقضي لهم كل حوائجهم، وينتقل بجسمه النحيل على عكازيه مسافات بعيدة عطفًا وحنانًا. وهكذا قضى أربع سنوات الدراسة وتخرج سنة 1919م. وقد أجاد الألحان والمدائح والقداسات، ومنحه الله صوتًا عذبًا حنونًا فكان كل من يعرفه يشتاق إلى سماعه. عمله كترزي لما كان محتاجًا إلى كسب رزقه فقد اشتغل ترزيًا مع أن يده اليمنى كانت هي أيضًا أضعف من اليسرى. فاشتغل أولاً مع زميل في دكانٍ واحدٍ بالقرب من الكاتدرائية المرقسية بالأزبكية. ولما استطاع أن تكون له دكان بمفرده اختارها على مقربة من حارة زويلة، فكان يذهب إلى الكنيسة كلما سنحت له الفرصة. ولأن قلبه كان ملتهبًا بمحبة فاديه فقد انضم فور تخرجه إلى خدام المذبح بكنيسة الأمير تادرس بآخر مصر القديمة. ولما سمعه بعض أعضاء جمعية المحبة يترنم بالألحان بدقة وأصالة وخشوع طلبوا إليه الانضمام إلى جمعيتهم فقبل طلبهم. اهتمامه بالضالين أسس "جمعية أبناء الرسل" وكان نشاط هذه الجمعية حيويًا، إذ استهدف أعضاؤها البحث عن الضالين وردهم للكنيسة، ومصالحة العائلات المتخاصمة، إلى جانب خدمة الشماسية. وكان راغب بعكازيه وجسمه الهزيل يذهب وراء الضال ولو اضطر إلى الذهاب إليه في منتصف الليل وفي الأدوار العليا من غير مصعد. قسّم هو وأعضاء الجمعية أنفسهم للوعظ في القرى القريبة والأحياء الفقيرة المحرومة من كنيسة أو من الرعاية. ومع كل هذا النشاط فلم يعش هذا الخادم الأمين سوى أربع وأربعين سنة وتنيح بسلام في 14 فبراير سنة 1945م. السنكسار الأمين، 7 طوبة. قصة الكنيسة القبطية، الكتاب السادس (أ) صفحة 186.

دابامون الشهيدة

دابامون الشهيدة
هروب ورشنوفة من الأسقفية كان إنسان يدعى ورشنوفة طُلب للأسقفية فهرب إلى طحمون، فاستضافه أخوان. في تلك الليلة ظهر له ملاك الرب قائلاً: "لماذا أنت نائم والجهاد قائم والأكاليل معدة؟ قم انطلق إلى الوالي واعترف بالسيد المسيح لتأخذ إكليل الشهادة". ولما استيقظ قص الرؤيا على الأخوين، فاتفقوا جميعًا على نيل الشهادة، وذهبوا إلى الوالي واعترفوا أمامه باسم السيد المسيح. رفقة دابامون للقديس ورشنوفة واستشهادها ألقاهم الوالي في السجن، ثم أخذهم معه من بنشليل إلى سنهور، وعرض عليهم التبخير للأوثان فأبوا. فعذبهم وكان الرب يرسل ملاكه ويعزيهم، ومن هناك توجه بهم إلى صا، حيث أعلمه كهنة الأصنام عن امرأة بناحية دجوة تدعى دابامون تقاوم الآلهة الوثنية. كانت هذه المرأة صالحة محسنة ولها ابنة تدعى يونا وكانتا تنسجان الأقمشة وترسمان عليها الرسوم الجميلة وتتصدقان بما يفضل عنهما. أرسل إليها الوالي سيافًا يدعى أولوجي، هذا إذ رأى منها حُسن السيرة ومنظرها الملائكي امتنع عن قتلها، وأخذها معه إلى الوالي، وهناك اجتمعت بالقديس ورشنوفة ورافقته. فعذبها الوالي كثيرًا وأمر بعصرها بالهنبازين، وكان الرب يقويها ويعيدها صحيحة. في أثناء ذلك اعترف أولوجي - السياف الذي أحضرها - بالسيد المسيح، فقطعوا رأسه ونال إكليل الشهادة. أما الوالي فلما تعب من تعذيب القديسة دابامون أمر أن تُضرب رقبتها خارج المدينة. فخرجوا بها والنساء حولها باكيات، أما هي فكانت فرحة مسرورة، فقطعوا رأسها ونالت إكليل الشهادة. السنكسار، 10 بؤونة.

لاكتانتيوس الأفريقي

لاكتانتيوس الأفريقي
مدافع أفريقي لاتيني أنجبت كنيسة أفريقيا اللاتينية (شمال غرب أفريقيا) سلسلة من المحامين أو الخطباء المدافعين عن المسيحية، قبلوا الإيمان عن اقتناع، وكتبوا بغيرة متقدة للدفاع عن هذا الإيمان. كتب باللغة اللاتينية في وقت لم يكن بعد ظهر أحد من المدافعين في روما. دُعي بشيشرون المسيحي Christian Cicero، وقد حاول تقديم الإيمان في إطار منهجي باللغة اللاتينية، لكنه لم يكن باللاهوتي الأصيل. تحمّس للاستشهاد وللفضائل المسيحية، خاصة محبة الله والقريب، فقدم المسيحية كنوعٍ من الأخلاقيات، دون التركيز على عمل المسيح الخلاصي، أو علي النعمة الإلهية، إنما ركّز علي الفلسفة. نشأته وُلد لوسيوس كاليوس فيرميانوس لاكتانتيوسLucius Caellus (Caellius) Firmanus Lactantius في أفريقيا. تتلمذ على يدي أرنوبيوس. تدرّب علي علوم البلاغة اللاتينية، وكتب أول أعماله "الوليمة" Banquet (Symposium) وهو شاب صغير. ذهابه إلي نيقوميدية استدعاه الإمبراطور دقلديانوس (284-304م) إلى نيقوميدية في بيثينية، العاصمة الجديدة للشرق، واستدعي معه فلافيوس البليغ (فلاديوس النحوي) Flavius the Grammarian لتدريس البلاغة اللاتينية. لكنهما لم يوفّقا في هذا العمل لكونها مدينة يونانية، ولم يُقبل كثيرون تعلّم اللاتينية. بقي أستاذًا في نيقوميدية وانصرف إلى الكتابة حتى اندلعت نيران الاضطهاد سنة 303م، فترك منصبه لأنه قد صار مسيحيًا. ترك بثينية ما بين عامي 305 و30. في تريف استدعاه الإمبراطور قسطنطين الكبير حوالي عام 313م وهو في سنٍ طاعنٍ، من أفريقيا اللاتينية إلي تريف أو تراوس Tréve بفرنسا لتهذيب كريسبوس أكبر أبنائه. إذ لم يجد في كل أنحاء المملكة من يصلح ليكون معلمًا له مثل لاكتانتيوس. كتاباته 1. عن خليقة اللهOn God`s Workmanship (De opificio dei) : قدمه لتلميذه الثري ديمتريانوس، فيه أكد أن الجسد الإنساني بنظامه العجيب لا يمكن إلا أن يكون من صنع كُلي الكمال، وأنه موضع عناية الله. ا. في المقدمة (2-4) قارن بين الإنسان والحيوان، فالله لم يهب الإنسان قوة جسدية كبعض الحيوانات، لكنه وهبه عقلاً وفهمًا. ب. فيه يعد بأن يكتب عملاً يشبه الجمهورية للفيلسوف شيشرون، ويبدو أنه كتبه مع نهاية عام 303 أو بداية 304م. 2. القوانين أو المبادئ الإلهية The Divine Institutes (Divinae institutione): يضم سبعة كتب، ويعتبر العمل الرئيسي، وهي أول محاولة لتقديم ملخص للفكر المسيحي باللاتينية. ا. فيه أوضح بطلان الديانة الوثنية وأفكارها وصحة الإيمان والعبادة المسيحية. ب. ختمه بالكتاب السابع عن الحياة السعيدة، حيث يتحدث عن الحياة الإنقضائية ويصف مكافأة الذين أرضوا الرب. 3. الملخص The Epitome (In Libus uno accephalo): جاء في أغلب المخطوطات ملحقًا للعمل السابق، وجهه لبنتاديوس Pentadius. 4. غضب الله The Anger of God (De ira dei): ا. فيه رد علي الإبيقوريين الذين يرون في الله كائنا جامدًا منعزلاً عن العالم، لا يبالي بتصرفات الإنسان. أوضح أن هذا الفكر الأبيقوري يجحد العناية الإلهية، بل وينكر وجود الله نفسه. كما أوضح أن العناية الإلهية تستلزم أن يغضب الله علي صانعي الشر مع محبته وترفقه بالإنسان. ب. قدمه لشخص يدعي دوناتوس Donatus . 5. موت المضطهدين (De mortibus persecutorum) The Death of the Persecutors: ا. كتبه بعد حلول السلام في الكنيسة وانتهاء موجة الاضطهاد، فيه يثبت أن كل مقاومي الكنيسة نالوا نهاية مريعة. ب. أوضح المصير المر لنيرون ودوميتيان وفاليريان وأوريليان ودقلديانوس ومكسيميانوس. ج. يسوده جو من الفرح بنصرة السيد المسيح، ويُحسب أحد المصادر الهامة عن اضطهاد دقلديانوس كشاهد عيان. 6. طائر العنقاءThe Phoenix (De eve phoenice) : كتب قصيدة يروي فيها قصة العنقاء الشهيرة، وكان المؤرخ هيرودت أول من رواها، واستخدمها القديس اكليمنضس الروماني كرمز للقيامة. 7. توجد أعمال مفقودة: مثل الوليمةSymposium ودليل الرحلةThe Hodoeporicum or Itinerary وهو عبارة عن وصف لرحلته من أفريقيا إلي نيقوميدية، وكتاب في قواعد النحو. آراؤه اللاهوتية يرى كثير من الدارسين أن لاكتنيوس نادى بالثنائية: ابن على مثال الله كامل كل الكمال، وكائن آخر لم يبقَ أمينًا لأصله الإلهي، هذا انتقل من الخير إلى الشر، فأمسى شيطانًا عدوًا للّه، مصدر كل فسادٍ. اعتقد بمبدأين متناقضين متعادين هما النور في السموات والظلام على الأرض. الإنسان: هو مزيج من عنصرين متعادين، النفس من الله ولله، والجسد من الأرض للشيطان. يلد الجسم جسمًا آخر بالتعاون مع جسمٍ ثانٍ، ولكن النفس لا تلد نفسًا، فهي من خلق الله مباشرة، تدخل جسم الجنين وهو في بطن أمه. النفس خالدة لأنها من الله الخالد، وهي لا تموت، إنما تبقى في عذاب أليم إن كانت شريرة. 1. الخير والشر: كل من منهما من طبيعة مختلفة. الله قادر أن يمحو الشر، لكنه يتركه لتزكية الخير، فكما أنه لا نور بدون ظلام، هكذا لا توجد فضيلة بدون وجود الرذيلة. 2. الثالوث القدوس: يقول القديس جيروم أنه قرأ رسائله إلى ديمتريانوس الضائعة، فيها ينكر وجود الأقنوم الثالث، فيربطه تارة بالآب وأخرى بالابن. آباء الكنيسة (باترولوجي) ترجمة الدكتور أسد رستم.

غالي المعلم

غالي المعلم
جمع الضرائب كان كاتب محمد بك الألفي أحد أمراء المماليك، ثم أسند إليه محمد علي منصبًا كبيرًا بعد غضبه على المعلم جرجس الجوهري، وكان المعلم غالي يسهل لمحمد علي أمر تحصيل الضرائب، ولكن هذا الأمر انقلب وبالاً عليه في النهاية. فكان جشع محمد علي في تحصيل الضرائب لا يقف عند حد، فقد طلب الباشا محمد علي من المعلم غالي ألف كيسًا، فقسم جمعها على المباشرين والكتبة وجمعها في أقرب وقت. محمد علي يغدر به كان جمعها بسرعة موجبًا لغير ما كان يتوقعه المعلم غالي، وسببًا في جلب الغدر عليه وعلى غيره، فإن الباشا بعد قليل أمر بمحاصرة بيته، وبيت المعلم جرجس الطويل، وأخيه حنا، وفرنسيس أخي المعلم غالي، والمعلم فلتاؤس، واثنين آخرين وأخرجوهم من منازلهم بصورة منكرة وسمّروا دورهم، وأخذوا دفاترهم وحبسوهم، وبعد أيام أفرج عنهم على شرط أن يدفعوا سبعة آلاف كيس فقاموا بدفعها. ولم تمضِ سبعة شهور حتى قبض عليهم ثانية وحبسهم في القلعة وختموا على دورهم، ثم عفا عنهم وأعاد المعلم غالي إلى منصبه، على شرط أن يدفعوا أربعة وعشرين ألف كيسًا. وتكرر حدوث ذلك من محمد علي، فكان يغضب عليه تارة ويعزله من منصبه ويرميه في السجن ويضربه مئات الكرابيج، ثم يعيده إلى منصبه بعد دفع مبلغٍ طائلٍ. وعندما أراد محمد علي تغيير هيئة الدواوين واستبدالها بغيرها، لتكون أقدر منها وتفوقها في النظام، حتى تعود بالفائدة على الخزينة، لم يتردد في الإفراج عن المعلم غالي والاستفادة من خبرته وكفاءته، مادام هذا يعود بالفائدة على الخزينة. وبعدما كلّف المعلم غالي بذلك، قسم المعلم غالي البلاد إلى مديريات وأقسام، والأطيان إلى أحواض، وابتكر أشياء كثيرة وحسابات تحقق مقدارًا وافرًا من المال، ولذلك يُنسَب للمعلم غالي تأسيس مصلحة المساحة، كما كان له دوره في تشجيع صناعة الأسلحة محليًا. ومن أعماله الجليلة أيضًا اقتراحه على محمد علي حفر قناة بين بحر الروم وبحر العرب ولكنه لم ينفذ. ونتيجة لنجاحه الكبير قابله محمد علي بالرضا وأثنى عليه ومن ثمَّ اتخذه كاتمًا لسره وخصّه مباشرة الأعمال الحسابية التي ابتكرها، فكانت يده فوق يد الجميع حتى حكام الأقاليم. أطلق إبراهيم باشا رصاص مسدسه عليه استمر المعلم غالي في هذا المنصب حتى مايو سنة 1882م، حين أطلق إبراهيم باشا رصاص مسدسه عليه في مدينة زفتى، أمام ابنه طوبيا فخرّ صريعًا. وهكذا ألقى المعلم غالي جزاء أمانته ووطنيته وخدمته، بعد أن أدى أجلّ الخدمات لمحمد علي ولإبراهيم باشا قاتله. وقد بقيت جثته ملقاة مدة يومين لا يجرؤ أحد على القيام بدفنها حتى استأذن رزق أغا حاكم الشرقية في دفنها، فأقيمت الصلاة على المعلم غالي بكنيسة أبي سيفين بزفتى ثم دفن بجوارها. ومن غير المعروف السبب الحقيقي لقتله، ولعل السبب هو مقاومة المعلم غالي لجشع إبراهيم باشا، لرغبته في تحصيل ضرائب على النخيل، بينما رفض المعلم غالي ذلك رفقًا بالمصريين لعدم إرهاقهم بتعدد الضرائب. ولكن إبراهيم باشا أصر على فرض الضرائب، فطلب المعلم غالي أن يعرض الأمر على محمد علي، فما كان من إبراهيم باشا إلا أن أجابه بإطلاق رصاص مسدسه عليه فخرّ صريعًا. ويذكر التاريخ أن محمد علي استدعى باسيليوس نجل المعلم غالي وقال له: "هل أنت حزين لموت أبيك؟" فأجابه باسيليوس: "لم يمت أبي مادام مولاي الأمير حيًا". فأُعجِب به محمد علي وأسند إليه وظيفة رئيس المحاسبة في الحكومة المصرية وأنعم عليه برتبة "بك"، وهو أول من مُنِح هذه الرتبة من الأقباط. وطنية الكنيسة القبطية وتاريخها، صفحة 327.

عبد المسيح الأثيوبي الأب

عبد المسيح الأثيوبي الأب
راهب معاصر متوحّد، عاش في مغارة بالقرب من دير البراموس أكثر من أربعين سنة. مارس الحياة الإنجيلية بروح التواضع مع الصراحة والقوة في الحق. صادق الوحوش وتحدّى الطبيعة، ورفع قلوب الكثيرين إلى السماء، وبالحق مارس الحياة الملائكية العجيبة! الفترة القصيرة التي عاشها في القاهرة ثم في الإسكندرية قبل سفره إلى لبنان ومنها إلى أورشليم تحمل ذكريات في قلوب الكثيرين، وكلماته لازالت ترن في أعماقهم! نشأته وُلد في أوائل القرن العشرين من أبوين تقيين لأسرة غنية جدًا، بإقليم وللو Wollo في شمال أثيوبيا، وهو ينتسب للأسرة الإمبراطورية السابقة. تلقّى تعليمه الأوّلي علي أفضل المعلّمين في بلده، وكان موضع تقدير أساتذته، فكان متقدمًا في المعرفة والحكمة مع حياة فاضلة وغيرة في العبادة. رهبنته إذ أُختير لنوال مركزٍ مرموق انطلق إلى أحد الأديرة بجبال أثيوبيا، وصار راهبًا باسم "الراهب عبد المسيح". إلى دير البراموس بعد حوالي عشرة سنوات قضاها في الدير، اشتاق أن يكمل حياته الرهبانية في صحراء مصر مقتديًا بآباء البرية المصريين الأوائل. أراد أن يكون كسيده، فأصرّ أن يعبر من أثيوبيا إلى السودان، ثم إلى النوبة ومنها إلى صعيد مصر مشيًا علي الأقدام. وقد قطع هذه المسافة في تسعة أشهر وعشرة أيام. لا نعرف عن هذه الرحلة شيئًا إلا أنها بلا شك كانت رحلة رجلٍ عابدٍ للرب، يتغنى في طريقه بروح التوبة الممتزجة بالفرح، كمن هو منطلق إلى الفردوس. في أواخر 1935م بلغ إلى حدود مصر في الجنوب وقال أنه يريد أن يذهب إلى دير البراموس، وإذ لم يكن يعرف العربية لم يفهموا عبارة "براموس"، فظنوا أنه يريد "برّا مصر" أي خارج مصر. حاولوا أن يفهموه، وأخيرًا التجأوا إلى السفارة الأثيوبية فتحدث بالأمهرية وذهب إلى دير البراموس. شعر رئيس الدير (الروبيتة) بقدسية حياته وجدّية رهبنته، وإذا تقدم شخص للالتحاق بالدير سلّمه له لكي يتلمذه. لاحظ رئيس الدير أن طالب الرهبنة قام في الصباح الباكر وبدأ يملأ ماءً من البئر لرش فناء الدير وكاد أن يقضي اليوم كله هكذا. وتكرر هذا الموقف إلى أيام كثيرة. عندئذ سأل رئيس الدير أبانا عبد المسيح: لماذا لم تعلم طالب الرهبنة حفظ المزامير والتسبحة الخ.؟ أجابه: "يجب أن يتعلّم أولاً الطاعة والتواضع، لو أنه حفظ الكثير لظنّ في نفسه أنه قديس، وسقط في الكبرياء!" حياة الوحدة لم يطق أبونا عبد المسيح أسوار الدير، فخرج إلى الصحراء وأقام متوحدًا في مغارة. كثيرًا ما كان يجول الصحراء مصلّيًا ومسبّحًا الله، ولا يلتزم بالعودة إلى المغارة ليبيت. كان متى أراد أن ينام يصنع بإصبعه علامة الصليب علي الرمال من الأربعة جوانب وينام مطمئنًا، وكان في الصباح يجد آثار الحيّات وحيوانات البرية خارج الدائرة التي حوّطها بأربعة صلبان. أما إذا نام في قلايته، فكان باب القلاية عبارة عن جريدتين من النخيل علي شكل صليب يضعه علي الباب ويدخل لينام كما عند صليب رب المجد. لم يترك مغارته منذ 1935م حتى عام 1958م، عندما ذهب بغير إرادته بسبب شدة مرضه للعلاج بالإسكندرية ثم عاد بعد فترة قصيرة. نور في المغارة أثناء الحرب العالمية لاحظ الجند الإنجليز أن نورًا مشرقًا نحوهم فانطلقوا إلى حيث النور، إذ ظنّوا كمينًا قد أُقيم ضدهم. كانت المفاجأة أنهم وجدوا هذا الراهب. فتّشوا قلايته فلم يجدوا أثرًا لأي كبريت أو نور. كرّروا الأمر عدة مرات، فكانوا كلما ابتعدوا حوالي كيلومترًا واحدًا يروا النور مشرقًا بقوة، وإذ يعودوا لا يجدوا شيئًا. أحبّوه وكانوا يطلبون صلواته، وعندما تركوا الموضع قدّموا له معلبات كثيرة جدًا قام بتوزيعها علي سكان البرية من العرب. اتركوه يصلي من أجلنا! في سنة 1967م توجّه إلى قداسة البابا كيرلس، وطلب منه أن يمنع الزيارات عنه حتى لا تشغله عن وحدته وحياة التأمل. قال للبابا: "الزوار جايين يتفرجوا علي حمار". تطلّع البابا إلى الأنبا ثاوفيلس أسقف دير السريان وقال له: "اتركوه يصلّي من أجلنا، لعل الله يرفع غضبه عن العالم كلّه بصلواته". العمل اليدوي كان يؤمن بأنه "إن كان أحد لا يريد أن يشتغل فلا يأكل" (2تس1:3). فكان يصنع الحبال من ليف النخيل ويسلّمها إلى بعض البدو الذين يقدمون له بعض الأشياء، ويقوم هو بتوزيعها علي من يطلبها منه. يسوع المسيح هو طبيبه! إذ كان مريضًا نصحه أحد الأطباء أن يأكل أطعمة ذات قيمة غذائية عالية، وقام الطبيب بتقديم بعض الأطعمة له. أما فهو فعاد وقدّمها لمرافقي الطبيب وهو يقول له: "المسيح يسوع هو طعامي، المسيح يسوع هو طبيبي، المسيح يسوع هو قوّتي". مع الحيّات والوحوش المفترسة في ديسمبر 1962م روي لي القمص متياس السرياني (حاليًا نيافة الأنبا دوماديوس) القصتين التاليتين: الأولي ذهب لزيارته أحد الآباء المتوحدين المشهورين وإذ كانا يتحدثان معًا داخل مغارته دخلت حيّة ضخمة، فبدأت عينا المتوحد تتوجه إلى الحيّة. أما هو فقال له: "يا أبتِ أتخاف من الحيّة؟ ألم يقل: "أُعطيتكم سلطانًا أن تدوسوا علي الحيّات والعقارب؟" ثم طلب منها أن تترك المغارة فخرجت. أما القصة الثانية فحدثت معه شخصيًا، فكما يعرف عنه أنه كثيرًا ما كان لا يأكل إلا الردّة المبلولة". زاره أبونا متياس السرياني فأراد أن يكرّمه جدًا فأتي بعلبة من فوارغ المعلّبات ووضع تحتها بعض الحطب الرفيع وأوقده، ثم وضع في الماء "ملوخية" جافة، ووضع عليها علبة "حلاوة طحنية" وبدأ يحركها بعصا صغيرة. بعد أن غلي الطعام قدّمه لأبينا متياس كأشهى وجبة طعام يمكن أن تقدم! التقينا معه وتحدّث معه صديقي مكرم يوسف المحامي قائلاً له: "أريد أن أتتلمذ علي يديك هنا في الصحراء"، أجابه أنت تريد أن تقفز لتصعد علي الدرجة العاشرة فتسقط وتنكسر، لا بد أن تبدأ السلم بالدرجة الأولي فالثانية الخ. من يلبس ذهبًا لا يري يسوع في بيروت إذ زاره عدد كبير من الأساقفة ورؤساء الكنائس، وكانوا يرتدون ثيابًا فاخرة وسلاسل ذهبية علي صدورهم. أمسك بطرف ثوب أحدهم وقال: "واحد يلبس ذهبًا... لا يري المسيح؛ واحد يلبس حريرًا لا يري المسيح". في أوائل الستينات زاره الأنبا ثاوفيلس مطران هرر بأثيوبيا، ومعه سفير أثيوبيا بمصر. قال للمطران: "أمّ تترك بنتها لا تعيش!" ويقصد التزام أثيوبيا بالارتباط بالكنيسة القبطية، كما أمسك بالسلسلة الذهبية وقال لهم: "لا يصح ذلك!" في نهاية الزيارة قدّما له قطعة قماش سوداء فرفضها، وإذ تركاها له، ألقي بها في الدير بعد أن ودّعهما خارج أسوار دير البراموس. ده مَلَكان! (هذا ملِك!) اشتهر أبونا عبد المسيح بالنسك، فكان يودّ أن يكون كل الرهبان والأساقفة متنسّكين. فمن الأمور المعروفة عنه توبيخه للأساقفة غير المتنسّكين. ذهب يومًا إلى دير البراموس وطلب أن يُرسلوا إليه عند حضور الأسقف، فقال له (الروبيتة): لا يمكن لأنك دائمًا توبّخ الأساقفة قائلاً: "أنت مكسور". فوعده ألا يفعل ذلك. حضر الأسقف ولم يرسلوا إليه، وإذ سمع رنّات الجرس أدرك أن الأسقف قد حضر فأسرع إلى الدير وطلب مقابلته. بدءوا يذكّرونه بوعده. ثم دخل إلى الحجرة فوجده جالسًا علي (المصطبة) وعليها سجادة فلم يحتمل المنظر، فوضع يده علي عينيه لكي لا يري المنظر وبدأ يسير إلى الوراء بظهره وهو يقول: "ده مَلَكان! ده ملكان! مش قادر! مش قادر!" وترك المكان وعاد إلى مغارته. كنت في زيارة إلى دير السريان وقيل لي أن أبانا عبد المسيح الأثيوبي بالدير. فالتقيت معه، وإذ بالمتنيح الأسقف... جاء وطلب منه أن يصلي من أجله لأنه مريض. وإذا بنا نُفاجأ به يقفز ويمسك ثوبه ويقول: "ثوب حرير مش للأسقف بل لكذا..." وكان يوبّخه علي ثوبه الحريري. ثم قال له: "أحضر الكتاب المقدس". وإذ أحضر أحد الرهبان الكتاب المقدس، قدّمه للأسقف وقال له: "اقرأ مزمور 50 (49) ابتداء من الآية 16". فقرأ الأسقف: "وللشرير قال الله: مالك تُحدث بفرائضي وتحمل عهدي علي فمك، وأنت قد أبغضت التأديب وألقيت كلامي خلفك؟..." وصار يوبّخ الأسقف: "أتقول للسارق لا يسرق وأنت تسرق؟..." حتى ارتعبنا جميعنا. وإذ كان يستعد للسفر إلى القاهرة لمقابلة قداسة البابا كيرلس السادس طلب كوب شاي. وإذ رأى راهبًا قادمًا إليه بكوب الشاي قفز وجري بسرعة فائقة ونحن وراءه ثم قال له: "أنت لا تعرف أن تصنع الشاي"، ثم طلب ماءً وبدأ يسكب في الكوب ماء وملحًا حتى انسكب أغلب الشاي علي التراب ثم شرب الشاي أشبه بماء به سكر وملح، وهو يقول : "هذا هو الشاي الحسن!" انطلق نحو الرست هاوس Rest House ليركب الأتوبيس للقاهرة، وكان لا يأخذ معه مالاً، إذ كان السائقون يحبّونه ويشتهون أن يركب معهم. وإذ كان مستعدًا للقاء البابا وضع البطانية حول جسمه وأمسك بحذائه تحت إبطه. وكان يلتقي بالبابا لمدة دقيقة أو أكثر يقدم له رسالة ثم يتركه ويعود إلى الصحراء. ذهابه إلى الإسكندرية إذ التزم أن يذهب إلى الإسكندرية للعلاج بعد حوالي 23 عامًا، صار يضرب مطانيات إلى الأرض ويقَّبل أرض المغارة حتى ركب السيارة وهو يقول: "راهب يترك المغارة، عليه طقس يلتزم به". الاستعداد للرحيل عاش أبونا عبد المسيح قرابة خمسين عامًا في الرهبنة، قضي أغلبها كمتوحدٍ في مغارة بجوار دير البراموس. وإذ شعر بقرب رحيله من العالم أراد أن يموت بأورشليم، وكانت العلاقات بين مصر وإسرائيل مقطوعة وعدائية. أصرّ أن يذهب إلى القدس علي قدميه، فكان من المستحيل تحقيق ذلك لأسباب سياسية. أخيرًا اقتنع بأن يمكث في القاهرة لحين عمل جواز سفر أثيوبي له وأخذ تأشيرة دخول لبنان وسوريا ومن هناك يذهب إلى القدس. عاش قرابة سنة في حجرة تحت السلم بمبنى الكلية الإكليريكية، ثم جاء إلى الإسكندرية للسفر من الميناء البحري. أذكر عندما جاء كان يسأل: "أين يوجد الحمار؟" - ليسكن معه - قيل له: "لا توجد حمير بالبطريركية". أخيرًا اقتنع أن يسكن تحت سلم البطريركية. كان إذا ما قال له أحد: "صلِّّ لأجلي لكي يرحمنا الله"، فكان يضربه علي ظهره وهو يقول: "ربنا بيرحمنا، ونحن لا نرحم أنفسنا!" قُدم له بلح فرفض تمامًا، وطلب "البلح الذي يأكل منه الحمار"، أي الذي لا يُؤكل! إلى بيت المقدس ذهب إلى بيروت حيث قضي حوالي شهرًا ثم توجّه إلى دمشق في ضيافة بطريركية السريان الأرثوذكس. هناك أخذ تصريحًا لدخول الأردن والعبور من جسر الملك إلى الأراضي المقدسة. عند وصوله مع مرافقيه إلى نقطة الحدود يبدو أن أحد المسئولين عن الأمن من المخابرات الأردنية تشكك في أمره، فطلب تفتيشه ذاتيًا بمفرده، فوجد في ملابسه بعض الكتب. مدّ يده في صدره فوجد كتابًا بالأمهرية ورقه قديم متآكل، فألقاه علي الأرض بطريقة مثيرة. لم يحتمل أبونا أن يٌلقى بالكتاب المقدس علي الأرض فاستجمع قوته وبمنتهى الشدة صفع القائد علي وجهه حتى صرخ. استدعي القائد الراهب القبطي المرافق لأبينا، وإذ عرف ما حدث صمت لأنه من حق القائد أن يقتلهما فورًا. لكن كم كانت الدهشة حين أصدر الضابط الكبير تعليماته الشفوية إلى رجاله بالموافقة الفورية علي دخول هذا الأب ومرافقيه إلى الأردن دون انتظار. بعد فترة قصيرة بأورشليم رحل أبونا المحبوب إلى الفردوس. دكتور نشأت نجيب فرج : الأب عبد المسيح الحبشي ، 1995.

ويصا القديس

ويصا القديس
كتاباته هو التلميذ المقرب للأنبا شنودة رئيس المتوحدين وهو الذي كتب سيرته، وليس لدينا أية إشارة عن حياته، فلا نعرف أين ولد وكيف نشأ ومتى دخل الدير. ولكننا نعرف الكثير عن أفكاره وخواطره ونزعاته الروحية. لأن مؤلفاته لا تزال موجودة وأشهرها سيرة معلمه العظيم رئيس المتوحدين. كتب أيضًا الكثير من الرسائل والميامر، وفي متحف نابولي مجموعة من المخطوطات بالقبطية الصعيدية تتضمن رسائل ويصا ومقالاته. كذلك توجد مجموعة أخرى معروفة باسم "مجموعة كرزون" محفوظة في المتحف البريطاني تتألف من أحد عشر رسالة كاملة وثلاث ناقصة، وكلها من ويصا إلى رهبانه وراهباته. ومع أن كرزون ذكر أنه اشترى هذه المخطوطات من أديرة وادي النطرون إلا أنه من الواضح أن مصدرها الأصلي كان الدير الأبيض. وهذه الرسائل صورة ساطعة للأديرة التي أسسها الأنبا شنودة ثم تسلم هو رياستها من بعده، وهي أيضًا دليل قاطع على اهتمام ويصا بالرهبان والراهبات الذين ينعمون برياسته ورعايته. قد يعثر الباحثون على سيرة الأنبا ويصا وقد لا يعثرون، وفي الحالتين يكفي أن نعرف أنه أدى رسالته وثبت جدارته لخلافة معلمه الفذ شنودة. قصة الكنيسة القبطية، الكتاب الأول صفحة 481.

ابا آري الشطانوفي الشهيد

ابا آري الشطانوفي الشهيد
كان أبا آري Ariكاهنًا بقرية شطانوف التابعة لبشاتيPchati ، بشاتي بالقبطية هي "نيقيوس" مكانها حاليًا زاوية رزين مركز منوف، كانت أسقفية قديمة جدًا. اتسم هذا الأب بحياة تقوية مقدسة، وحب شديد لرعية المسيح الذي وهبه عطية شفاء المرضى وإخراج الشياطين، بل وكان يرى ملاك الرب عن يمين المذبح أثناء ممارسته سر الأفخارستيا (القداس الإلهي). مواجهته الأضطهاد في عهد دقلديانوس أرسل حاكم بشاتي إلى أبا آري جماعة من الجند يأتون به إليه، وإذ عاد وجد الحاكم جالسًا في منصة القضاء يحاور المسيحيين. دهش الوالي عند رؤيته للكاهن إذ شعر بمهابته، فسأله أن يذبح للآلهة فيهبه كرامات كثيرة وعظيمة. أما القديس فأخذ يستخف بهذه الوعود معلنًا إيمانه بالسيد المسيح. تعرض القديس للجلد بعنف وقسوة، فظهر له المخلص يعزيه قائلاً له: "تشجع يا مختاري أبا آري، تشجع في الجهاد الحسن، فإن ميراثًا عظيمًا محفوظ لك في السماوات مع كل القديسين من أجل أتعاب شهادتك والآلام التي سوف تتحملها من أجل اسمي"، ثم لمس السيد المسيح جسمه فشفاه. رأى الكثيرون هذا المنظر وسمعوا الحديث الإلهي فهتفوا معلنين إيمانهم، فاغتاظ الحاكم وأمر بسجنه. وفي اليوم التالي إذ اُستدعي وُجد في السجن يرتل ويسبح الله. أمر الحكم بطرحه في مرجل به زيت وأشعلوا النار تحته، لكن الله أرسل رئيس الملائكة ميخائيل وخلصه. في الإسكندرية بعثه الحاكم إلى أرمانيوس والي الإسكندرية حتى يبعده عن شعبه ولا يستميل الكثير من أهل المنطقة للإيمان، وقد تعرض هناك لعذابات كثيرة. إذ رأى السجان نعمة الله عاملة في هذا الكاهن جاء إليه بابنه الأعمى وسأله أن يصلي من أجله ويضع يديه على رأسه، وبالفعل انفتحت عينا الابن. سمع أرمانيوس بما حدث، وكيف جذب كثير من الوثنيين إلى الإيمان وهو في السجن، فاستدعاه وصار يعذبه حتى ألقاه في أتون نار متقد والرب أنقذه. صغر الوالي في عيني نفسه جدًا، وأمر بقطع رأس القديس آري. عندئذ رفع الأب القديس ذراعيه وصلى وسجد ثلاث مرات وسلم عنقه للسياف، وكان ذلك في منطقة تتيادورون Tatiadoron جنوب المدينة. بعد استشهاده حمله يوليوس في أكفان جديدة إلى شطانوف كطلب الشهيد نفسه حيث استقبله شعبه بالتسابيح. تعيد له الكنيسة في التاسع من شهر مسرى.